ابن قيم الجوزية
22
هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى
الملائكة ، وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الايمان بعيسى ابن مريم وقد علموا علما لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى فحملهم الحسد على أن اختاروا الكفر على الايمان وأطبقوا عليه ، وهم أمة فيهم الأحبار والعلماء والزهاد والقضاة والملوك والامراء هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعة يخالفها ولم يقاتلهم ، وانما أتي بتحليل بعض ما حرم عليهم تخفيفا ورحمة واحسانا ، وجاء مكملا لشريعة التوراة ، ومع هذا فاختاروا كلهم الكفر على الايمان ، فكيف يكون حالهم مع نبي جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع ، مبكتا لهم بقبائحهم ، ومناديا على فضائحهم ، ومخرجا لهم من ديارهم ، وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر عليهم ويظفر بهم ويعلو هو وأصحابه وهم معه دائما في سفال ، فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم ؟ ! وأين يقع حالهم معه من حالهم مع المسيح وقد ابقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى وهذا السبب وحده كاف في رد الحق ، فكيف إذا انضاف إليه زوال الرئاسات والمأكل كما تقدم . وقد قال المسور بن مخرمة - وهو ابن أخت أبي جهل - لأبي جهل يا خالي هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فقال ! يا ابن أختي ! واللّه لقد كان محمد صلى اللّه عليه وسلم فينا وهو شاب يدعى الأمين ، فما جربنا عليه كذبا قط . قال : يا خال ! فما لكم لا تتبعونه ؟ ! قال : يا ابن أختي تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف ، فاطعموا وأطعمنا ، وسقوا وسقينا ، واجاروا وأجرنا ، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي فمتى ندرك مثل هذه ! ! وقال الأخنس بن شريق يوم بدر لأبي جهل : يا أبا الحكم ! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا ؟ فقال أبو جهل : ويحك ! واللّه ان محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فما ذا يكون لسائر قريش ؟ ! [ علماء اليهود يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم ] وأما « اليهود » فقد كان علماؤهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، قال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة ، قال : هل